السعيد شنوقة
9
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
بيد أن هذا لا يلغي جهود الذين وقفوا للدفاع عن الدين ونصرة مبدأ التوحيد لأنهم أرادوا نهوض المسلمين بمحاربة الجمود والانسداد والجهل . ويبدو أن توجههم هذا ذو نزعة نبيلة أوّلا ، لأنهم قصدوا الحفاظ على كلام اللّه تعالى ممن شكك فيه منتهجين أساسا مطابقا للعقل ، لكنهم لم يتنصلوا من التأويل بالنقل ولم يعتمدوا وجهة نقدية حرة في فهم النص القرآني لأنهم انطلقوا من الورع والتقوى في بيان ما اعتقدوه مما لا صلة بالتفسير المأثور . لقد تركوا بذلك أثرا قويا في آفاق التطور الفكري الإسلامي بما لا سبيل إلى نكرانه . غير أنهم انساقوا بفعل تعمقهم في الفلسفة والنظر العقلي وإباحة حرية الرأي - مع الزمن - إلى الغلو بعض الشيء في الرأي وفي القول دفاعا عن مذهبهم ؛ لذلك لم يكن انتصارهم لما اعتقدوه يسخّر النظر العقلي للاستدلال والاستنباط من النص القرآني فحسب بل كان مع ذلك يوظف البحث اللغوي في تأويله ، ويوظف النحو ( الإعراب ) والبلاغة والقراءات والنص القرآني ذاته في كل ما يعارض أصول المذهب متخذا منها وسيلة أساسية يؤسس التأويل عليها ؛ فيحقق بذلك الغاية العلمية والهدف المذهبي كما هو الشأن بالنسبة للمعتزلة في تفاسيرهم التي لاقت ردود كثيرة من أهل السنة . ولنا في تفسير الكشاف للزمخشري ( ت 538 ه ) مثال على ما يحويه من ذاك التوظيف في قضايا مشفوعة بالاعتزال تقوم على التعليل والتأويل والتدقيق واللغة . ولقد تكونت لنا من خلال هذا الخضم فكرة طالما راودتنا في أمر التأويل المذهبي في كشاف الزمخشري أثناء إعدادنا بحث رسالة الماجستير حيث كنا في ثنايا تناول البحث آنئذ نجد الزمخشري ميّالا إلى نصرة الاعتزال في مسائل كثيرة يؤيدها بكل ما استطاع من فكر وبيان بتأويل بعض الآيات الكريمة تأويلا يوافق الأصول الخمسة للمعتزلة ، ويردّ على أبرز مخالفيهم وهم أهل السنة . ولم يكن السنّة بدورهم ليتركوا تأويلات المعتزلة دون التصدي لها بخاصة في أبرز تفاسيرهم ، وهو تفسير الزمخشري ، « الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل » ، فتبادل الفريقان ردودا مستفيضة في مواقف كثيرة من تفسير آي الذكر الحكيم ، يؤسس فيها كل طرف تأويله أو رأيه واجتهاده على ما هو أقرب من معتقده ، فلئن كان المعتزلة اعتدّوا بالعقل في إطار نسقهم الفكري : التوحيد - العدل - الوعد -